يبدو أن رحلتي مع الغربة ، والشوق ، والفراق ، والحنين ستستمر .. فالحديث جرّني شئت أم أبيت إلى السفر ، أصل الموضوع ولبّه ، وهل الغربة والشوق .. إلخ إلاّ نتيجة حتمية للسفر ..
السفر .. راحة وتجديد ، وعند البعض قطعة من سقر ، ولفحة من نار ، وشتان ما بين المذهبين
والحق أنني من أنصار المذهب الأول ، أجد في السفر من التجديد والمتعة ما لا يخفى ، على أنه مهلك للمال ، قاطع للأعمال .. شأن كلّ لذة في الدنيا لا تخلو من ضريبة تعدلها أو تضاهيها .
ووجدت أن النبي صلّى الله عليه وسلم حذّر امرأة من الزواج من رجل ( لا يضع العصا عن عاتقه ) ، وفي أحد تفسيري المفردة النبوية أنه لا يضع عن عاتقه عصا الترحال والسفر .
السفر قطعة من عذاب ، فيه ما فيه ولكن لا يبعد أن يكون أيضا جنة الدنيا ومستراح النفس .
سافر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فعزّ ، وعزّ دينه ، وانتشرت دعوته ، وسافر من قبله ابراهيم ولوط ، وموسى ويوسف عليهم الصلاة والسلام ، وسافر الهدهد فأحاط بما لم يحط به سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .
والناس في السفر مذهبان : محب وكاره
وهاك نبأهم :
قيل لأحدهم: ما العيش؟
فقال: دوران البلدان ولقاء الإخوان.
وقال الصفدي :
سافر تنل رتب المفاخر والعـلا
كالدر سار فصار في التيجـان
وكذا هلال الأفق لو ترك السرى
ما فارقتـه معـرة النقصـان
قال الشافعي رحمه الله :
ما في المقـام لـذي عقـلٍ و ذي أدب
ٍمـن راحـة فـدع الأوطـان و اغـتـربِ
سافـر تـجـد عـوضـاً عـمـن تفـارقـهُ
و انصب فإن لذيذ العيش في النصـبِ
إنـي رأيــت وقــوف الـمـاء يفـسـدهُ
إن ساح طاب و إن لم يجر لـم يطـبِ
والأسد لولا فراق الأرض ما افترست
و السهم لولا فراق القوس لـم يصـبِ
و الشمس لو وقفت في الفلك دائمـة
ًلملّها الناس مـن عجـم و مـن عـربِ
و التبـر كالتـرب ملقـي فــي أماكـنـهِ
و العود في أرضـه نـوع مـن الخطـبِ
فــإن تـغــرب هـــذا عـــزّ مطـلـبـهُ
و إن تـغــرب ذاك عـــزّ كـالـذهـبِ
ويقول أحدهم :
صعود الآكام وهبوط الغيطان خير من القعود بين الحيطان.
ويتأكد السفر والترحال في طلب المعاش عند هؤلاء سيما مع ضيق ذات اليد والفقر والإملاق ، وأشد منه عند الجور والظلم والانتقاص:
ارْحَلْ بنفسِكَ مِنْ أرْضٍٍ تضَامُ بهَـا
وَ لا تكنْ مِنْ فِرَاقِ الأهْلِ في حُرَقِ
مَــنْ ذلَّ بَـيْــنَ أهـالـيـهِ ببَـلـدَتِـهِ
فالاغترابُ لـه مِـنْ أحْسَـنِ الخلُـقِ
فالعَنبَـرُ الخـامُ رَوْثٌ فـي مَواطِـنِـهِ
وَ في التغرُّبِ مَحْمُولٌ عَلـى العُنـقِ
وَ الكحْلُ نوْعٌ مِنَ الأحْجَـارِ تنظـرُهُ
في أرضِهِ وَ هْوَ مَرْمِيُّ عَلى الطـرُقِ
لمَّـا تغـرَّبَ حَـازَ الفضْـلَ أجْمَـعَـهُ
فصَارَ يُحْمَلُ بَيْنَ الجَفنِ و الحَـدَقِ
وربما كانت هذه المقدمة حاملة على السفر والاغتراب ، ولكن الجبن عنه مقعد للبعض وهنا انبرى ابن الوردي ليقول لهؤلاء :
حبك الأوطان عجـز ظاهـر
فاغترب تجد عن الأهل بدل
وإذا كانت الغربة مرّة على النفس فلعمر الله إن الفقر أشد مرارة وأنكى ، اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والفقر ، ولمرارة الغربة أهون من مرارة الحاجة والفاقة :
الفقر في أوطاننـا غربـة
والمال في الغربة أوطان
والأرض شي كلـه واحـد
ويخلف الجيران جيـران
وقال آخر:
ليس ارتحالك تزداد الغنى سفرا
بل المقام على بؤس هو السفـر
وقد يكون الرزق مرهونا بالانتقال ، فكم من غريب حقق في الغربة مالم يحرزعُشر معشاره في الحضر ، وحصّل في السفر مالم يكن يخطر له على بال ، وكأن رزقه قسم بذاك المكان وهو في الحضر يحاول ما لا يكون
فسر في بلاد الله والتمـس الغنـى
تعـش ذا يسـار أو تمـوت فتعـذرا
ولا ترض من عيش بدين ولا تنم
وكيف ينام الليل من كان معسـرا
وقال أبو فراس :
والمرء ليس ببالغ في أرضـه
كالصقر ليس بصائد في وكره
وكم من ذي مكانة لم يُلتفت إليه حتى سافر ، وصدقت العرب : لا كرامة لنبي في قومه .
هذا محمد صلى الله عليه وسلم بقي في قومه ثلاث عشرة سنة ما آمن معه إلا قليل ، فلما سافر إلى المدينة آمنت المدينة على بكرة أبيها
سافر إذا حاولت قـدرا
سار الهلال فصار بدرا
والماء يكسب ما جرى
طيبا ويخبث ما استقرا
وبنقلة الدرر النفـيـسة بدّلت بالبحر نحرا .
هكذا الناس لا يعزّ عندهم الشئ إلا إذا فقدوه
وإذا الديار تنكرت عـن أهلهـا
فدع الديـار وأسـرع التحويـلا
ليس المقام عليك حتما واجباً
فـي بلـدة تـدع العـزيـز ذلـيـلا
وقال آخر :
قالوا انتزح وتغرب تكتسب شرفا
فالدر ما عزّ حتى فارق الصدفـا
هيا بنا إذا نسافر ونطوف المعمورة ونرى من بديع صنع الباري ما يستنطق منا التسبيح ، مع ما يحصل من الغنم العاجل
قلقل ركابك في الفـلا
ودع الغواني للقصور
لولا التغرب ما ارتقى
درّ البحور إلى النحور
وبعضهم يرى أن الحلاوة في السفر ليست فيه وإنما لما يعقبه من تجدد لقيا الأحباب والخلان ، يقول الحجاج بن يوسف: لولا حلاوة الإياب لما عذَّبت أعدائي إلا بالسفر.
ولن يفوتني هنا أن أذكر الخمس الفوائد التي ملأ صاحبها الدنيا وشغل العالم وسارت بأبياته الركبان إذ يقول :
َتغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلا
وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ :
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكتِسابُ مَعيشَةٍ
وَعِلمٌ وَآدابٌ وَصُحبَةُ ماجِدِ
وَإِن قيلَ في الأَسفارِ ذُلٌّ وَمِحنَةٌ
وَقَطعُ الفَيافي وَاِكتِسابُ الشَدائِدِ
فَمَوتُ الفَتى خَيرٌ لَهُ مِن حَياتِهِ
بِدارِ هَوانٍ بَينَ واشٍ وَحاسِدِ.
ولم يسلم السفر من المخالف الذي لا يرى فيه إلا الوجه الآخر ، التعب والنصب ، والفرقة والكدّ ، شأن أي حقيقة لا بد أن تختلف فيها الآراء ، قال أحدهم :
تخلف عن الأسفار إن كنت طالباً
نجاة ففي الأسفار سبـع عوائـقِ
تنكـر إخـوان وفـقـد أحـبـةٍ
وتشتيت أمـوال وخيفـة سـارقِ
وكثـرة إيحـاش وقلـة مؤنـسٍ
وأعظمها يا صاح سكنى الفنـادقِ
فإن قيل في الأسفار كسب معيشةٍ
وعلـم وآداب وصحبـة فـائـقِ
فقل ذاك دهر قـد تقـادم عهـدهُ
وأعقبـه دهـر كثيـر العوائـقِ
وهـذا مقالـي والسـلام مؤبـد
وجرب ففي التجريب علم الحقائقِ
وسئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه : لم كان السفر قطعة من العذاب ؟ فأجاب على الفور : لأن فيه فراق الأحباب .
أما أنا فمذهبي الشخصي أن هؤلاء لم يجربوا الدرجة الأولى في الخطوط الجوية أل (...........) بعيداً عن الدعاية لأحد ، ولا سكنوا الفنادق ذات السبعة النجوم ، وعليه فمذهبي مذهب أبي تمام :
وطول مقام المرء في الحي مخلق
لديباجتيـه فاغـتـرب يتـجـدد
فإني رأيت الشمس زيدت محبـة
إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد
ومسلكي مسلك الشافعي :
سأضْرِبُ في طُولِ البلادِ و عَرْضِهَا
أنـالُ مُـرَادِي أو أمُـوتُ غرِيبَـا
فـإن تلِفَـتْ نفسِـي فلِلَّـهِ دَرُّهَـا
و إن سَلِمَتْ كانَ الرُّجـوعُ قرِيبَـا .
والان دعونا نحدد الوجة ، وأنا أختار القاهرة .. حيث تختصر الدنا اختصارا فالنيل يروي قصة لا نهاية لها والأهرامات تقف غير عابئة لا بالخماسين ولا بعوامل التعرية تحكي الشموخ وتتمثل الأنفة وتنظر من علو لأقوام سادوا وبادوا ، إلى الأحياء الشعبية حيث البساطة والدعابة سيدة الموقف ، إلى الحسين حيث خان الخليلي ، مزج بين الأصالة والمعاصرة ، وخليط من البشر ، وأشياء وأشياء .. طابت رحلتكم .