رصاصة تخترق حجب النفس لتصل إلى أعمق أعماقها ، وأقصى نقطة في أغوارها ، قاطعة نياطا وشرايين وأوردة .. تاركة سيلاً من نزيف الدم ونزيف العين .
طاء ألف لام ألف قاف ..كل القصة ، أو أول القصة أو آخرها قل ما شئت .. ما أسهلها حين تخرج ، وما أعظم وقعها حين تصدر .
بتٌّ للصلة ، كسرٌ للنفس ، هدمٌ لكيان ، شتاتٌ ، دموعٌ ومأساة .. وسلسلةٌ لا تنهي من دراما الحزن والأسى والأسف واللوعة والدموع .
كنت أظن الطلاق رصاصة الرحمة لامرأة لا تطيق زوجها ، وتبحث عن أسباب الخلاص منه ، لكنني – مع معايشة مشاكل الناس -وجدت أن تأثير الكلمة ووقعها على نفس هذه المرأة لا يقل عن الأخرى . وصدق حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وكسرها طلاقها ) .
نعم ( طالق ) أول القصة لا نهايتها .. `
في البدء ذهول أشبه بالإغماءة التي تلي الحادث المروري ، ثم استرجاع للمفردة ثم محاولة استيعاب لها ، تنهدّ معه المرأة تماماً كالدابة حين يحملها المرء فوق فوق طاقتها ، تجثو على الركب ، تبكي ، تنهار ، ثم يدور بذهنها شريط الأحداث من ليلة الزفاف إلى ساعة النطق بالحكم ..
الفصل الأول : تذهب المرأة إلى بيتها – وفي بعض الأحيان تخرج في أنصاف الليالي طريدة ليس عليها إلا ما يستر البدن - لتواجه المصير ، فالمرأة المطلقة في مجتمعاتنا تبقى بين مطرقة الكسر النفسي وسندان النظرة المجتمعية ، نظرة الاتهام المبطن والانتقاص !!
لن أعرّج على قضية الأطفال ، لا لأنها غير ذات بال ، ولا لأنها قضية تافهة ، لا وألف لا .. وإنما لأن هذه القضية هى هاجس الجميع وهى غالباً على مطروحة وبقوة فمن الناس من لا يعرف من آفات الطلاق إلا ضياع الأولاد مع أنه ليس بالضرورة أن يكون الطلاق ضياعاً لهم بل قد يكون خلاصاً وانعتاقاً ، بل سأركز على المطلقة التي تقف في الظل على حساب هذه القضية .. أنا هنا أقول : لا تضحوا بالأم مقابل الجنين ، لا تفكروا بالفرع على حساب الأصل .. اتقوا الله واعدلوا في القضية ، ولست هنا ناطقاً رسمياً باسم المطلقات ولا رافعاً شعار حقوق المرأة ، ولكني واقف بحكم مسجدي ومكاني على مالايعرفه الكثير ، دعني أضع يدك على بعض الجرح ..
امرأة عفيفة تحت رجل غير عفيف ، يذرع بلاد الله بحثاً عن مواخير الخنا و حانات الفساد ثم يقع الطلاق ، فتسكت حفاظاً على البقية الباقية من المعروف ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) وستراً لسمعة بناتها التي هى امتداد لسمعة المذكور أعلاه ، ثم لا يكون جزاؤها إلا جزاء سنمّار .. أن ترمى بنظرات شزراء أو بقذيفة أخرى : ( مطلقة ) وحسب ، وبدون أي تعليق ، ففي الذهن المجتمعي الموروث ما يكفي لتتمة الجملة .. واأسفاه !!
وأخرى تصبر سنوات طوال على رجل أبخل من مادر ، وأشح من الشح نفسه ، على مذهب :
تراهم خشية الأضياف خرسا ** يؤدون الصلاة بلا أذان
فتصبر حتى يضيق صبرها ثم إذا طلقت منه صارت لبانة الأفواه ، وفاكهة المجالس ، والبيوت ستر والناس لا يعلمون من بواطن الأمور ما يكف ألسنتهم .
وثالثة تبقى عند زوجها الحول والثلاثة ما قربها زوجها ، فلا عفة ولا .... وقد وقفت وايم الله على قضية بقيت فيها المرأة بكراً أربع سنوات ، ,اهلها يجبرونها على البقاء والصبر.. أي صبر؟!! والله يقول : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً ) ثم إذا انفصلت عن زوجها لحقتها معرة الطلاق ووصمته ونقيصته !!
هل يجب عليها أن تنشر قصتها في صحيفة سيارة أو أن تخرج في ( كلام نواعم ) حتى يعرف الناس أسباب انفصالها فيكفون عن لمزها وغيبتها ؟!! سبحانك .
ليست مادة : طاء لام قاف نهاية القصة .. فللقصة مأساة في البدء وأخرى في حبكة القصة وثالثة الأثافي في ختامها ، وهذا ما يفسر بقاء أكثر من امرأة في جحيم علاقة زوجية ليس لها إلا الاسم والاسم وحسب خشية العواقب .
الفصل الثاني : تبقى ما شاء الله لها أن تبقى عند أهلها – وما أثقل عود المرأة إلى بيت والدها – يحصون عليها الخبز الذي تأكل ، والماء الذي تشرب ، أما دخولها وخروجها فعليه ألف رقيب ورقيب ، لو كان الأمر لأجل الحفاظ عليها ومبالغة في صيانتها وغيرها لكان حسنة ولكن لأنها مطلقة .. مطلقة مظنة ال....... والله المستعان .
إن تأخرت قليلاً واجهت استجواباً شديداً أشبه بالذي يمارس في السجون والمعتقلات ، وإن بقيت حبيسة الدار صارت كلاً وعبئاً ورقماً مخيفاً ..ثم إن تقدم خاطب ، بالعادة أرمل ذو عيال أو ذو عاهة أو مطلق بل مطلاق أو معدد يريدها ثانية أو ثالثة أو حتى رابعة ، أما إن تقدّم عزب لم يسبق له الزواج فستقوم الدنيا ولن تقعد وأول المواجهين له أهله وذووه ثم المجتمع – العجيب أن هذا المجتمع الناقد تجده لك بالمرصاد في كل خطوة تخطوها وتفقده أحوج ما تكون إليه – وبالعامية الفصحى يسمع المتقدم : ( ليه ؟! ناقصك إيش واللا ايش عشان تاخد مطلقة ، أعور والا اعرج ؟!! )
ثم تنطلق محفوظات السنة : (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك ) ، ( عليكم بالأبكار ، أعذب أفواهاً ..الخ ) !!
وتتزوج المطلقة ، بعد أن تجيب على السوأل المعتاد : ما هو سبب الطلاق ، ثم يعاد عليها مرات وكرات ليتأكد الجميع من تطابق الأقوال ، تجاوز هذا الاختبار ويأتي القبول وتنسى أنها مطلقة فتريد أن تحتفل وتفرح كما يفرح الناس فيأتي من يغتال فرحتها ويقول : تريد أن تتبهرج وعندها ولد !! أو : نسيت أنها مطلقة ( قل من حرم زينة الله ) ؟!! ، وتدخل العش الزوجي كمن يحرق مراكبه أيا كان هذا الزوج فلابد أن تبقى وأن تصبر لأن المجتمع –لاحظ المجتمع وراك وراك- يعقد لها بالخنصر والبنصر يعدّ لها الزيجات ، ويحصي عليها الأنفاس والحركات!!
والقاضية والداهية والطامة والحاقة والقارعة والزلزلة والقيامة لو طلقت مرة ثانية .. عندها يكون حكمها الذي لا يقبل الاستئناف أن تقضي بقية عمرها مترهبة في ثياب الحداد ( رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) .
الفصل الثالث ..اسدل الستار ولا تنتهي القصة .