( شيبني صعود المنابر ) ، قالها عبد الملك بن مروان قديماً .. وإلى هذا الحدّ كان القدماء يحتفلون للخطابة ويعتمون بالخطبة ، على أنهم أبلغ الناس ، وأفصح العرب .. والعلة عند عبد الملك بن مروان أنه يعرض عقله على الناس كلّ جمعه .. حين يفكّر الخطيب بهذه الطريقة ، ويحمل هذا الهم تكون الخطبة لبنة مهمة في إصلاح المجتمع وبنائه ، كيف وليس منبر في الدنيا يحظى بالحفاوة التي لخطبة الجمعة ومنبرها ، حسبك أن مجرد النطق بحرفين (صه) تعتبره الشريعة لغوا يبطل الجمعة ، ومجرد حركة بسيطة ك(مس الحصى) كفيلة بإبطال الجمعة .. ومن هنا قال أحد الغربيين : أعطوني نبر محمد وأنا كفيل بتغيير العالم .
صليت في مسجد بالقاهرة فشرق بنا الخطيب وغرّب ، وصال وجال ، في موضوع لا تكاد تجد له زماماً أو خطاماً .
فمن الوعظ إلى الفقه إلى السياسة ، على طريقة ( بتاع كله)
وصليت ذات مرة في مسجد بجدة ، فاستطرد الخطيب في حماس غير مبرر وتهور غير متصور ثم تفوه بكلمة عامية (غاية في السقوط ) وسقط من عيني فعلاً وأعين عقلاء المصلين حين قال : (طُز ) .
نفس الخطيب وبعد سنوات أبتليت بالصلاة عنده فإذا به يقول : ( يا مدخن إنتا إنسان معفن بصراحة ) ووالله لولا الحرج الشرعي لخرجت من المسجد وهممت بأمر سوء !!
وكنت أنيب في مسجدي رجلاً أوتي عربية على السليقة ، جميل المنطق بالعربية ، حسن التحدث بها ، لكنني فوجئت به ذات خطبة يجحد هذه النعمة ويترك ما ميزه الله به وينزل – ليفهم العامة بزعمه – إلى درك اللهجة العامية من منبر القرآن والسنة فما كان مني إلا أن استبعدته من الإنابة غيرة على لغة القران وغيرة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وسمعت وسمع غيري عن ذلك الخطيب الذي صعد المنبر وقد قطع ورقتي خطبة من كتاب عتيق ، فخطب قراءة منهما ، ومن فرط ضعف الخطيب وغفلته قرأ حتى الدعاء فإذا فيه : ( اللهم اغفر للسلطان عبد الحميد ) !!
هل من الحكمة أن يتحدث خطيب في حي فقير عن خطر السفر إلى بلاد الكفار وتحريم السياحة إليها ، وعامة أهل الحي بالكاد يجدون ما يسدون به رمقهم ؟! وآخر يحدثهم عن الزهد في الدنيا والتقشف فيها والبعد عن ملذاتها وتحريم الإسراف وهم في حالة زهد اضطراري .
خطيب يسيء فهم حديث : ( كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب علا صوته واشتد نحيبه ) فيصرخ وترتج لصراخه جدران المسجد من أصولها ، وتكاد تسقط سماعات المسجد حتى لكأنه يخيل إليك أنك فاقد سمعك من شدة صراخه .
إن الخطيب الذي يحترم الحضور ويستشعر أمانة الخطابة يستعد لخطبته ويحسن تحضيرها وإعدادها أسبوعاً كاملاً ، يستنفر فيه طاقاته وقدراته في البحث والتقصي ، أما الآخرون فيكتفون بالخطب المطبوعة ، ويلقونها كيفما اتفق ، أو يرونه واجباً أسبوعياً يسدّ بأي خطبة وعن أي موضوع .
يفقد الخطيب جمهوره وحضوره حين لا يلامس واقعهم ولا يتحدث عن مشكلاتهم ، فالخطيب الذي يخطب عن الصدق في أحداث إنهيار سوق الأسهم ، خطيب يغرد خارج السرب ، والذي يتحدث عن صفات المرأة المسلمة في وقت زلازل العيص ، خطيب أبعد النجعه .. وفي المقابل فليست الخطبة نشرة أخبار ، وإنما هى استغلال للحدث وابداع في استخدامه وتوظيفه .
من المؤسف أن من الخطباء من حوّل منبره لنسخة مكررة من ال (bbc) أو (cnn) ، أو قناة الجزيرة ومنهم من تجاهل الواقع برمته وراح يحلق في سماء العصور الوسطى ، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم .
البارعون من الخطباء هم الذين يحسنون براعة الاستهلال ويشدون المستمع من أول وهلة ، ويفقدنوهم الاحساس بالوقت ، بدأ احدهم خطبته قائلاً : أنا أخالف الذين يسبون إسرائيل ويكرهون اسرائيل ، وأعلنها صريحة مدوية ، أنا أحب اسرائيل وأدعوا لإسرائيل ، وأتبرأ وأبغض من يكره إسرائيل ، لأن إسرائيل عليه السلام نبي كريم ( كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل إلا ما حرم اسرائيل على نفسه ) ابداع في شد الانتباه ، وتجديد في أسلوب الخطابة ، لا يحسنه إلا القليل من الخطباء . أما الخطباء الفاشلون فهم الذين يعيشون ظرفاً مكانيا وزمانيا غير الذي نعيش ، أو الذين يشعرونك بطول الخطبة وإن كانت قصيرة .
معيار النجاح في الخطبة هو أثرها في المستمع ، وتحقق النجاح يكون بالتطبيق .
وأغرب ما يمكن أن تسمع استخدام بعضهم للسجع المقيت المتكلف كأن الخطبة رقية العقرب ، أو كهانة الجاهلية ، والأشنع من ذلك الخطابة بلغة امرئ القيس وعنترة وأصحاب المعلقات ، الخطابة بوحشي العربية ونافر كلامها ، وكم أحزن حين أسمع هؤلاء في منابر عامة وهم لم يدركوا أن أكثر المستمعين من العامة بل فيهم من الأعاجم ..وارحمتي لهم .
ببساطة الخطبة مسؤلية وأمانة ، ورسالة أي رسالة سامح الله تقصيري وغيري من الخطباء وأعاننا على السداد .
آميــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن