الفتوى نطق بحكم الله في مسألة كما وصل إليه اجتهاد الفقيه ، توقيع عن رب العالمين وبيان لشرعه .. لما كانت الفتوى بهذه الدرجة من الخطورة كان الصحابة رضوان الله عليهم يتدافعونها ، ويحاولون الفرار ما استطاعوا الى ذلك سبيلاً ، بقول ابن أبي ليلى – رحمه الله – ( أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يُحدِّث بحديث، أو يُسأل عن شيء، إلا وَدَّ أن أخاه كفاه ) ، هكذا كانوا .. وامتد بنا الزمان حتى بتنا نرى من يتصدى للفتوى ، بل ومن يخصص هاتفاً ربحياً للإجابة على الفتاوى (قل لا أسألكم عليه أجراً ).
في الشبكة العنكبوتية ، على صفحات الفيس بوك ، في غرف الدردشة مفتون مجاهيل ، مناكير ، لا تعرف منهم إلا ألقاباً وكُنى ، يفتون في أمورٍ لو عُرضت على الفاروق عمر رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر .
في دهاليز الدهاليز في الإنترنت فتاوى بلون الدم ، ورائحة البارود ، ونكهة الكفر ، وصوت الأحزمة الناسفة ، وطعم الزقوم ، أربابها أصحاب فكر التكفير والتفجير ، وأصحاب عمائم الوجبات السريعة ، على طريقة : ماكدونالدز ، وهارديز!!
فوضى في عالم الفتوى ، فمن مصطلح : ( الاختلاط العارض ) الذي أجزم أنك لن تقرأ عنه شيئا حتى في التلمود المحرف ، إلى قاسم أمين الجديد ، صاحب تقليعة الاختلاط بكلّ حال ، لاوبالدليل القاطع والبرهان الناصع ، في سابقةٍ لم يكتشفها إلا مجدد العصر وإمام أئمة الدهر ، بقيت فيه الأفهام متقزمة صغيرة دون إدراك ما أدرك قاسمهم .
ومن فتوى رضاع الكبير التي حار فيها الناس واضطربوا ، إذ كيف لبلدٍ يستقدم مئات الآلاف من السائقين والخدم المنزليين ، كيف له أن يوفر لهؤلاء لبناً سائغاً من بين فرث ودم ؟!! يشربونه لأجل المحرمية منزوع الدسم أو كامله مبرداً أو محلى وقد يرى فقيه مقاصدي بجواز حقنه في الوريد أو تناوله سعوطاً ،سائلاً أو جافاً ( لدوران الحكم مع علته وجوداً وعدماً ) ودوران الفتوى مع علاتها ذهاباً من مصر وإياباً إلى الجزيرة !!
أما الربا فضرورة اقتصادية ، وصورة ما حُرّم منه واحدة : هو الربا بأضعاف مضاعفة فقط !!
وهل سمعتم ياسادة – سلّم الله فطركم وبصائركم - عن ثور أو بغل أو خلق مما يصغر في صدوركم تعاقد على ألف بعشرة آلاف ، أو اقترض مائة ليردها ألفاً ؟! سبحانك ربي!!
وإمامة المرأة من فقه العصر وجديد الفتاوى ، وأخشى ما أخشاه أن يخرج علينا مفتون مسكونون بقضية حقوق المرأة فيجعلون عقدة النكاح بيدها ، والقوامة لها أسوة بالرجل !!
أما أنا شخصياً فأسأل الله أن تأتي منيتي - على الإسلام والسنة - قبل أن أرى أو أسمع فتوى جواز التعدد للمرأة أسوة بالرجل ، من يدري فباب الاجتهاد قد فتح ( بلا حدود ) في زمن تجديد الفقه !!
ومن عجيب العجيب أن بعضهم يبدأ بالظهور على الفضائيات متورعاً ، يقول أنا لست مفتياً ، سلوا أهل العلم .. ثم لا يلبث أن يفتي ويتصدر بل ويتجرأ في تخطئة البعض ..
يفتي إمام مسجد في مدينتي في مسائل الطلاق وهو لعمر الله أقل من أن يفتي في مسائل الطهارة والصلاة ، وكم حلل امرأة لزوجها وهو يطلقها صباح مساء !!
حقاً ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً .