حدثنا النكرة عن النكرة بسند مظلم رجاله مجاهيل أن فلاناً مات ، وفلاناً تزوج وفلان وفلان ..الخ
هكذا تسري أخبار لا أساس لها من الصحة سريان النار في الهشيم ، تتناقلها الألسنة وتتلقفها الأفواه دون أن تطلب أدنى دليل أو برهان أو تعليل .
ظروفها المكانية التقليدية : المجالس العامة ، والمقاهي ، وكراسي الحلاقين ، ومقعد سائق ( التاكسي ) ، أما ظروفها المتقدمة : فالمنتديات الإلكترونية ، وصفحات (الفيس بوك) الصحف الإلكترونية والهواتف الثابتة والنقالة .
وأما فرسانها فغالبيتهم من العاطلين الذي لا عمل لهم إلا مراقبة الناس ، والتافهين الذين لا يقوون على فتح مواضيع جادة ولا يستطيعون لذلك سبيلاً ، والحسدة الذين يقتلهم تفضل الله على من شاء من عباده ، ويزكم أنوفهم غنى هذا وشهرة ذاك ، والمرضى (سلّم الله القارئين )
وأما المستهدفون من هذه الأخبار عادة فهم الساسة ، والفنانون والعلماء ، والمشاهير ..
قبل سنوات مات الشيخ أحمد ديدات ألف مرة قبل أن يموت حقيقة ، وقبل أشهر حاصرت الشائعات لاعب كرة مشهور حتى تكلم المرجفون بتفاصيل دقيقة يصعب الإطلاع عليها ، ولكن هكذا هم ناقلوا الشائعات وصانعوها يستتفهون عقولنا ويستخفون السفهاء فيتابعونهم ، وقبل انهيار سوق الأسهم كانت الشائعات هى اللاعب الأساسي ، وهل غُزي العراق إلاّ بشائعة صنعها من صنعها ، وروجها من روجها ثم صدّق عليهم ابليس ظنه فأبيد شعب وماتت حضارة ، وتفرق العراق العظيم شذر مذر بين مطرقة طائفية مقيتة ، وسندان فقر مدقع في بلد ينضح نفطاً وتمراً
كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ ** والماء فوق ظهورها محمول
الشائعات ظاهرة قديمة قدم الإنسان الفارغ عن الدين والشغل ، والمتهالك في القيل والقال ، العاري عن رفيعات القيم وساميات المبادئ .
طالت الرسل فأشيع عنهم ما يكذبه الواقع من حالهم ، والمعروف من سيرتهم ، قيل عنهم وحاشاهم : كذبة ، سحرة ، مستأثرون ..إلخ ، فأغنى فساد المقالة عن إفسادها .
وكيف يصح في الأذهان شئ ** إذا احتاج النهار إلى دليل ؟!
وما خبر الإفك عنّا ببعيد .. أفي عائشة الحصان الرزان ؟!
أفي معدن الطهر وينبوع العفة ؟!
ويح المتكلمين فيها ، أين كانت عقولهم قبل إيمانهم ؟ وصدق الله : (إذ تلقونه بألسنتكم ) ، ولولا ذاك لكان تلقيه بالأسماع والعقول ، ومن ثمّ ما كان الزورإلا ليكون حبيس النفس ، وقالة اللسان إذ ذاك : ( ما يكون لنا أن تكلم بهذا ) .
فلان تزوج والأخر اغتنى وذاك تغير والآخر مات وفلان مريض .. قائمة لا تنتهي من الشائعات المعلبة الجاهزة ، التي تصلح لانفاقها في سوق العاطلين وترويجها .
ما أحوج المجتمع أن يتعلم أبجديات : ( اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا ) و : ( وقولوا للناس حسناً ) و :(كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكلّ ما سمع ) ، و : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ) و: ( هل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم )