سقانا الكأس بعد الكأس حتى سكرنا على حب الشام شيخنا الأديب الراحل : علي الطنطاوي – رحمه الله – ثملنا بجبل قاسيون ، ونهر بردى ،
سلام من صبا بردى أرقّ ** ودمع لا يكفكف يا دمشق
والغوطة ، والأموي ، والحميدية ، وطربنا على إيقاع النغم الدمشقي الأصيل في الحديث والكلام .. ومرّ زمن وأنا أتردد على دمشق الشام ، وأمرّ بنواعير حماة ، وقبر خالد في حمص .. إلى أن وصلت إلى كسب والحدود التركية .. كنت أظن أنّ سحر الشام انحصر في تلك الرقعة ، حتى زرت بيروت ، وفيها
في ساحة الحمراء كان لقاؤنا ** ما أطيب اللقيا بلا ميعاد
استوقفتني صخرة الروشة ، والجبل ، وسمعت كفاحاً دون ترجمان مغازلة الساحل للجبل .. اتسعت رقعة الشام الكبير في ذهني .. ولأمر أراده الله تأخرت زيارتي للأردن إلى هذا العام ، فلمت نفسي على سنوات مرّت دون أن أمرّ بهذا القطر .. عمّان .. معزوفة تبدأ من مطار الملكة علياء ولا تنتهي أبداً ، وصلتها ليلاً ، إلا أن الشمس كانت فيها بازغة ، نعم .. عمان في منتصف الليل وشمس ساطعة دافئة كانت تلك الشمس : أبو ناصر ..
ثلاثة تضحك الدنيا ببهجتها ** شمس الضحى (وأبو ناصر ) والقمر
ولي عودة معه .
المدينة هادئة ، لا تزال لم تبتلَ بعد ببدعة المدن الساهرة التي تواصل الليل بالنهار ، وثمة نسيم لطيف بارد ، يطرد من أول وهلة عن الواصلين وعثاء السفر .
بتنا ليلة في وسط عمّان عند الدوار الثالث بفندق الرويال ، نطلّ على عمّان .. الله ما أجمل المنظر ، شعرت مع ساعات الصباح الأولى أن أشعة الشمس بخيوط النور تحي ضيوفها .
لا أدري كيف تتناثر هذه البيوت والبنايات على هذا الجبل بين السهل والربي ؟
بين المرتفع والمطمئن من الأرض ؟
أي ريشة فنية تلك التي نثرت الخضرة نثراً بديعاً بين البنايات ، أشجاراً وزهوراً ؟
ولن يستوقفك في عمان شئ أشد من نظافة المدينة ، الدالّ على الوعي العام .. عمّان عبق التاريخ ، وروح الحضارة الإنسانية ، ومهد الديانات السماوية ..تعوزني مقالات ومقالات لأغطي هذا الجانب ..
عمان حيث الثقافة والعلم ، الجامعات والمعاهد والدور والمكتبات والمساجد .. هنا كان مجدد الحديث محمد ناصر الدين الألباني ينفي عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم انتحال المبطلين وتأويل الغالين ..
في عمّان سترى الشئ وضده .. الغنى والفقر ، الماضي والحاضر ، المسجد والكنيسة ، الحجاب وال..
في عمّان قفزات كبيرة في الطب والعلم ، لا أدلّ على ذلك من نشاط السياحة الطبية والمعرفية .
لفت نظري في عماّن ثقافة شعبها ، وحضور هم الثقافي العالي .. افتح ما شئت من مواضيع الأدب والشريعة والسياسة ستجد من يشارك في الطرح ومن يضيف للمعلومة أختها حتى ليخيل إليك أنه لا عمل للشعب إلا القراءة !!
عوداً على بدء ، أبوناصر وداره التي من دخلها كان في دفئ أسرته الأولى ، كرماً ورعاية وحميمية ً .. سبقني إلى هذه الدار الشيخ أبو عبدالرحمن شيخ الشاطري ، قصّ علي القصص قبلاً فقلت ردة فعل طبعيه لرجل احتضنه وأسرته هذا البيت الكريم إبّان الحادث الذي أصابه ، ولكن ليس راءٍ كمن سمعا .
من زعم أن اليعربي الذي كان يوقد ناراً ليراها الأضياف فيقصدوا دار صاحبها ليطعم وليكرم ، من زعم أن هذا اليعربي مات وانقرض كما انقرضت كثيرُ من ملامحه ؟
من ظن ذلك أطلب منه أن يدخل دار أبي ناصر ، غير إني أحذره أشد الحذر من السمنة ، ومن أراد أن ينزل ضيفاً على هذا الرجل ما عليه إلا أن يصوم شهرين متتابعين قبل السفر إلى عمّان ..فالرجل وأهل بيته لا يرفعون قصعة أو إناءً إلا ليضعوا آخر ، فمن المنسف إلى المشوي ومن الخضروات إلى الفاكهة ومن القهوة إلى الشاي ، أما الكنافة النابلسية فهم أحق بها وأهلها ، أسرّ إليّ أحدهم أنه مذ أكل من كنافة أبي ناصر آمن بأنه لم يذق قط مثلها حتى في نابلس نفسها ( والعهدة عليه ) وللعم أبي ناصر طقوس في إعدادها .. أسبوع كامل ونحن نتقلب في صنوف الأطعمة الشامية .
وتبقى الذكرى الخالدة التي لا تنسى حين اصطحبنا أبو الفوز في رحلة إلى البحر الميت وفي منتصف الطريق ، توقف قليلا عن الجادة منحرفاً يمناً ليشير إلى أنوار بعيدة هناك ، يبدو منها النور ثم يخفت وهكذا دواليك .. قال لنا إن تلك الأنوار البعيدة هى أنوار القدس .. القدس ؟
آلقدس حقاً؟؟
نعم .. يالله كم هى المسافة بعيدة قريبة !!
الله الله أي مغناطيس ذاك الذي يشدنا على تلك الناحية ؟!
أي حنين هذا الذي نجد ؟ّ!
وهل هذا الهواء البارد الذي يأتي من هناك ويلامس وجوهنا هو ذاته الذي لامس المسجد الأقصى ؟!
ألف سوأل وسوأل ، وغيبة عن الشعور سارت بأرواحنا متخطية الحدود لتسجد عند المسجد الأقصى .. شكراً أبالفوز شكراً أبا ناصر شكراً عمان .
وحتما سيتجدد اللقاء