حين خلق الله البشر من صلصال من حمأٍ مسنون لم يرد الله منهم أبداً أن يكونوا نورانيين ملائكيين لا يخطئون .
وتصور اللاخطأ في حياة الناس هو المستحيل عينه بل ضرب من الخيال ، أبعد من تصور الخطأ في حق الملائكة .. إذاً لنتفق أنه لا عصمة لأحد إلا الأنبياء ، والأنبياء فقط فيما يبلغونه عن ربهم جلّ وعز .
وإلا فمن لقي بشراً لا يخطئ فليرمني بحجر .
من ذا الذي ما ساء قط ** ومن له الحسنى فقط
مقدمة لا جديد فيها ، الجديد هو أن من الناس من يطالب بما لم يأمر به الله ولم يأذن ، ويروم من الأمر مالا يكون ..
سادتي صنف من الناس تلوك الألسن شخوصهم بالهمز والغمز واللمز ، وتشير إليه أصابع الاتهام في كل الأحوال ، وعلى كل الاتجاهات .. متهمون ولو قامت على براءتهم آلاف الأدلة ، ومئات البراهين ومدانون ولو لم يذنبوا
لست بحاجة لاتهامهم أن تأتي عشاءً بدموع التماسيح (سلامة التماسيح ) أو على قمصانهم بدم الذئب (حاشا الذئاب ) ، ولا أن تفتعل قصة أو رواية أو سيناريو أو حواراً .. فقط ألق التهمة ، وتوكل على الله ، والله حسبك وحسيبك...
إنهم المتدينون .. يا رحماه للمتدينين
إن ظهرت على أحدهم مظاهر النعمة والسعة في العيش والغنى ، قيل : دخلت الدنيا قلبه ، ورقّ دينه ، ونسأل الله أن يعافينا من الدنيا وزينتها ، واللهم سلم سلم ..الخ من الدعوات التي ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله التعريض .
هذا في أحسن الأحوال أما في أسوأها فالتهمة الجاهزة المعلبة : يأكل من أموال الصدقة ، يتاجر بدينه ، يشتري بالعلم ، يتكسب بالقرآن .. الخ
وكأن قدر المتدين أن يعيش فقيراً ويموت فقيراً ..
حرام على بلابله الدو**ح حلال للطير من كل جنس؟!
( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) وهل من الدين حصره في لبس قميص به ست عشرة رقعه ، أو نعل بريالين من محلات (يابلاش ) ؟!!
هل الدين هو إظهار الفقر والمسكنة ، والبذاذة والتبذل فحسب ؟!!
سبحانك هذا بهتان عظيم !!
كأن أكثر العشرة المبشرين بالجنة لم يكونوا من الأثرياء ، أصحاب المال والثروة !!
لا تحاول يا صاحبنا متهم أنت متهم .. كان أحدهم يتردد على ( كافيه ) قريب من المسجد الذي يؤم فيه ، مقهى ليس فيه إلا مأكول ومشروب ، لا أرجيلة ولا شيشة ، إلا ما يكون من تدخين البعض ، , وأظن أنه شأن عمت به البلوى لا فرار منه حتى في الدوائر والمؤسسات والله المستعان ، كان صاحبنا يحتسي فيه القهوة ويتجاذب مع بعض الشباب أطراف الأحاديث ، وقد هدى الله على يديه في هذه الجلسات عدداً منهم ، أحدهم كان مشروع جريمة فأصبح بفضل الله ثم بجلسة مع صاحبنا طويلة ومركزة ، أصبح حمامة سلام ، لا تظن أن الناس باركوا هذا العمل ، لا ولكن همهموا وتكلموا ، وأزبدوا وأرعدوا ، وقالوا : لا يليق (بالمطوع) أن يجلس في كافي شوب (مع تقطيب الجبين والضغط على الحروف ) .
متهم إن لزم العزلة وصار حِلس بيته وقعيد داره ، ومتهم إن خالط الناس .. إن زاد وزنه قال الناس ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ، وإن نحل جسده قالوا : رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ..!!
وطامّة الطوام إن تزوج على زوجته بكراً قالوا : (شهواني ) يظهر الزهادة ويريد المتعة والجسد ، هلاّ تزوج أرملة أو ثيباً ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما تزوج بكراً إلا عائشة وسائرهن ثيبات ، فإن فعل قالوا : هلاّ بكراً تلاعبها وتلاعبك !!
وغريبة الغرائب أن المتدين في هذا الباب لبانة الناس ، كأن أبصارهم عمت عن النطف المهاجرة ، والشهوات المسافرة ، أو كأنهم لا يرون خيانات فلان ولا غدرات فلان ، ولا المتخذات أخدان ، هم يبصرون القذى في عين المتدينين ويعمون عن الجذع في إناء غيرهم .
قطعا ليس كل الناس كذلك ولكن من قصدت قطاع كبير .. والله المستعان