قضى شيخ الأزهر نحبه ، وأسلم الروح باريها لأجل كتبه الله غير مستقدم عنه ولا مستأخر .. رحمه الله رحمة واسعة ، وصبّ على قبره شآبيب الرحمة والرضوان .
مات الرجل وحطّ رحاله بالدار الآخرة .. وإذا ما مات المرء فإنه يكون قد انتقل إلى دار أخرى لها طبيعة مختلفة ، وحسابات وموازين مختلفة ..
أقول هذا لأن طنطاوي -رحمه الله- مذ مات والناس مختلفون في الترحم عليه أو السكوت ، وأسوأ أحوال المرء - أي امرئ - أن يتردد الناس في الدعاء له والترحم عليه - رحماك ربي - ومنهم طائفة شذت فأمطرت الراحل بوابل من الدعاء وخطأ فعلوا ولا ينبغي لهم ذلك .
مات الرجل وليس عليّ ولا عليكم حسابه .. ولكن الذي عليّ بيانه هو بعض الوقفات التي ولاشك سينتفع بها الحي :
1- العبرة بالخاتمة ، فكم من عامل لم يكن بينه وبين الجنة إلا ذراعا ومع ذلك سبق عليه الكتاب فهوى ، والعكس بالعكس .
بعض الناس نسي أو تناسى مشوار الراحل الطويل من التعليم والتأليف ، ورحلته بين مصر وليبيا والمدينة المنورة .. الخ نسي ذلك لأن خواتيم فتاواه كانت ذات جدل وأخذ ورد ..
لقد حفظ له الناس فتواه بجواز صناديق التوفير ، وإباحة بعض صور الربا ، علق بأذهانهم مصافحته لعدو الله وعدو المقدسات والأمة ، وكانت الطامة الأخيرة نزعه لحجاب الطالبة الأزهرية ..
هنا يتذكر المرء أن الناس لن يذكروا حسناته إذا هى ختمت بأضدادها والعبرة بالخواتيم ، فلا غرو إذا أن يكون من دعاء الأنبياء : (واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) .
2- نحن دعاة رحمة ولسنا دعاة عذاب .
بعد أن مات شيخ الأزهر وأفضى إلى ما قدم ، ما فائدة في ترك الترحم عليه ؟ أو حتى التردد في هذا الشأن ؟
ولم الإعراض عن الدعاء للرجل ؟ مع أننا نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحرص الناس على إدخال الناس - كل الناس- في رحمة الله .. ثم ما الفائدة التي تعود علينا من تعذيب أي مسلم بالنار لكونه أخطأ أو أذنب أو ...؟؟
ثمة خيط رفيع بين الغيرة على الدين ، وبين شخصنة القضايا وتحويلها إلى انتقامات شخصية ، وقليل من يفرق بين الأمرين ويهتدى لأحسن النجدين .
وهنا مع الفارق بين القصتين أتذكر وحق لي أتذكر شيخنا العلامة العثيمين - رحمه الله - حين نعي إليه الشيخ الواعظ فارس المنابر عبد الحميد كشك - رحمه الله - ما كان منه إلا أن ترحم على الشيخ وذكر فضله وأثره في دنيا الخطابة والوعظ ، وأنه نفسه كان يستمع إلى خطبه ، ثم نبه بلطف على عدم التعويل على الأحاديث التي يسوقها كشك كونه يجمع في الاستشهاد بين الصحيح الصالح للاحتجاج والضعيف والموضوع ..
ما أرقى الأسلوب الذي عرف للناس فضلهم مع عدم إغفال النصح لسنة رسول الله ولمنبره صلى الله عليه وآله وسلم .
أين هذا الأسلوب من أمة محسوبة على العلم وأهله تملأ الدنيا ضجيجا في أشرطة مسموعة أو كتب مطبوعة ظاهرها فيه الرحمة والنصح ، وباطنها من قبله السب والسلب والعلقم الوصب والزقوم اللعين ، فلا النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم وقع ، ولا الأعراض حفظت !!
أحد هؤلاء - وهو محسوب على طلبة العلم - أسمع عنه منذ ما يربو على عقد ونصف العقد من الزمن لا أعرف له كتابا أو رسالة كتبها ابتداء ، كل ما يحسنه - هدانا الله وإياه - هو الردود ، والنيل من شخوص المردود عليهم بذريعة الغيرة على الدين .. آلله أغير على دينه أم أنت فضيلة الشيخ ؟!!
3- أهل العلم لهم حرمة معلومة ، لا ينبغي لأحد أن يتجاوز هذا الحمى ، أو يتسور المحراب .
إذا أخطأ العالم فثمة عالم في مرتبته أو أعلى يتصدى للرد على زلة العالم - إن سلمنا أنها زلة - مع حفظه للعالم حقه ومستحقه ، وهيبته ومكانته .. وليس كل أحد له الحق في ذلك بحجة أن الحق أكبر من كل أحد ، وأن الحق أحب إلينا من الرجال .. عبارات حق يراد بها من البعض الباطل ..
أغيلمة سفهاء احلام ، صغار اسنان غرّ بعضهم كلمتان حفظهما أو منبر امتطاه فأخذ ينصب نفسه متحدثاً رسمياً باسم الإسلام ، وحاميا لحماه من خلال الرد على فلان وفلان والطعن في فلان وفلان وإسقاط حرمتهم .. لهؤلاء أقول كما قال الأول : لحوم العلماء مسمومة ، وعادة الله في الانتقام لمنتقصيهم معلومة .
ولهم أقول على رسلكم للدين ربّ يحميه .
4- ضرورة سوأل الله حسن الخاتمة .
اللهم اغفر لسيد طنطاوي وارحمه وارحم أمواتنا .. آمين