3930602 زائر
الرئيسية > المقالات

الغربة : حنيـــــــــــــــــــــــــــــن وأنين

24 يناير 2010

( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) انظر كيف سوّى الله بين القتل وبين الخروج من أوطانهم ..
حب الأوطان غريزة فطر عليها الإنسان وحين كنت صغيراً كثيراً ما كنت أردد القصيدة الوعظية الشهيرة ( ليس لبغريب ) وفيها :

لا تنهرن غريباً حال غربته * الدهر ينهره بالذلِّ والمحن
إن الغريب له حقّ لغربته  * على المقيمين في الأوطان والسكن

كنت أُردِّد هذه الأبيات صغيراً فتمرّ على خاطري كما تمرّ قوارع القرآن على صبي صغير يرددها ويحفظها في الحلقة أو في الكُتَّّاب ، لا تشيّب له رأساً كما شيّبت من النبي صلى الله عليه وسلم ،ولا تدرُّ له دمعاً ، وما أبعد ما بين هذا وذاك.
أكرر الابيات اليوم فأتذكّر كل نأي عن الوطن غريب ، يعبث به الشجن ويحركه الحنين والشوق كورقة يابسة تقلبها الريح في يوم من أيام الخريف .
أردِّد الأبيات فيترآى لي العامل الباكستاني في شوارع الخليج ، والخادمة الأندنوسية في البيوت ، يتمثل لي المغتربون في أوروبا وأمريكا ..
إنها الغربة حنيــــــــــــــــــــــــــــــــن وأنين ..الغربة كلمة لا يمكن ترجمتها حساً إلا بالكربة ، والنكبة والذلّة ، إنها بحق النأي والبعد ، حيث لا أهل ولا عشيرة .
سل عن الغربة دمعات الغريب التي يخفيها جاهداً ، ويكابر ألاّ تخرج .. سل عن الغربة غصة يجدها كلما تذكر أهله وولده ، كيف هى حالهم في العيد ؟ أم كيف هى حالهم إذا جنّ الليل وخلي المرء من شغله إلاّ من ذهن مثقل بالذكريات .. يا ويح الذكريات .
الغربة ذلّة ( لعن الله الذلّ ) تلاحق صاحبها لا تنفك عنه

وكل غريب سوف يمسي بذلة *إذا بان عن أوطانه وجفا الأهلا
ولذا كانت وصية العقلاء بعدم الاغتراب ما استطاع إليه المرء سبيلاً .. قال الشاعر :

لا ترغبوا إخوتي في غربة أبداً*إن الغريب ذليل حيثما كانا.
والأحرار يرون أن الاقتار احبّ إليهم من الإيسار مادام المرء رهين الوطن ، قريباً من الأهل والسكن
لقرب الدار في الاقتار خيرٌ * من العيش الموسَّع في اغتراب

وقريب منه قول عنترة :
لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ *بل فاسقني بالعزِّ كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم  *وجهنم بالعزِّ أكرم منزل .


قيل لبعض الأعراب : ما الغبطة ؟
قال : الكفاية مع لزوم الأوطان ، والجلوس مع الأخوان .
قيل له فما الذلّة ؟
قال : التنقل في البلدان ، والتنحي عن الأوطان .
ذلك أن حبّ الأوطان غريزة يفطر عليها المرء ، أيّاً كان وطنه ، لو كانت أرضه صحراء بلقع ، أو جبالاً وعرة ،
وكانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلدها رملا وعفرا تستنشقه عند نزلة أو زكام أو صداع .
قال الجاحظ : ومن أصدق الشواهد في حبّّ الوطن أن يوسف عليه السلام لما أدركته الوفاة أوصى أن تحمل رمّته إلى موضع مقابر أبيه وجدّه يعقوب واسحق وابراهيم عليهم السلام .. إنه الإلف والحب والحنين الذي لا تجد له تفسيراً إلاّ أنه فطرة يفطر المء عليها وغريزة تغرز فيه لا يد له فيها ولا اختيار ..

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأول منزل .

فرحمة بالغرباء فإن بهم من الحنين ما تنفطر له الأفئدة وتتفتت له الأكباد .
رحماك ربي .

عدد الزيارات : 6992
xxx    
ياسمين 24/01/2010
رائع المقال يدل انك كثير الوفاء اسال الله العظيم رب العرش العظيم الا يحرمك ابدا من وطنك واهلك ويدوم الموده والرحمه لك تحت كل سماء وفوق كل ارض

ابراهيم البلوشي 24/01/2010
اللـــــــــه موضوع مؤلم مؤثر جدا (( وهذا بلاء ابوك ياعقاب )) للموضوع نظره اخرى الا وهي : كم رأيت من غريب اهلك عمره في الم وفراق وشوق وحرمان كي يذيق الشهد لأبنائه وزوجته وليسكنوا مسكناً طيباً وليلبسوا لباساً دافئاً ولينعموا بحياة كريمه ولما مات ماترحموا عليه الا قليلا لأنهم لم يعرفو معنى حنانه او بره او حبه بل كان آلة تدر عليهم المال فقط لم يعلموا انه كم مرض في غربته وكان وحيد يصارع الالم لم يسمعوا كم ذاق اباهم الذل والاهانه والانكسار لم يعلمو انه كم نام جائعاً كي لا ينقص عليهم مصروفهم المعتاد . والله المستعان فَـــلا تَـغُــرَّنَّــكَ الــدُّنْـيـــا وَزِيـنَـتُــهــا وانْـظُـــرْ إلــى فِـعْـلِـهــا فــي الأَهْــلِ والــوَطَــنِ وانْـظُــرْ إِلـى مَــنْ حَــوَى الـدُّنْـيـا بِـأَجْـمَـعِـها هَــــلْ رَاحَ مِــنْـهـا بِـغَــيْـرِ الـحَــنْـطِ والـكَــفَـنِ خُــــذِ الـقَـنَـاعَــةَ مِــنْ دُنْـيَـاك وارْضَ بِـهــا لَـــــوْ لـــم يَــكُـــنْ لَـكَ إِلا رَاحَــــةُ الــبَــدَنِ

توفيق الصايغ 25/01/2010
أِكر مروركم ولكم فائق التقدير ملاحظة : ليست الغربة شراً محضا .. ها هو ذا محمد صلى الله عليه وسلم بالغربة أدركوا فضل الهجرة والمهاجرين . ولكن يؤرق الغريب سؤال صغيره .. بابا : أين وطني ؟ بابا لم نحن هنا ؟ بابا متى العودة ؟ وألف الف استفام لا جواب له إلا .. الا الصمت ولا شئ غير الصمت .

أبو شهد 25/01/2010
جزاك الله خير يا شيخ توفيق الصائغ مقال رائع جدا ..

صفاء 25/01/2010
مبدع دائما .حماك الله

ام طيف 25/01/2010
جزاك الله خير يا شيخنا الفا ضل مقال بليغ ومعبر ولكنه محزن اللهم ارحم الغرباء وردهم الي ديارهم مردا جميلا جزاك الله الجنه يا ابا انس

عبدالرحمن سالم 26/01/2010
فرحمة بالغرباء فإن بهم من الحنين ما تنفطر له الأفئدة وتتفتت له الأكباد .

أحمد إسماعيل 27/01/2010
جزالك الله خير ياشيخ "لا فُض فوك" صدقت يا شيخ معاني المقال ملموسة ومحسوسة حفظك الله ورعاك ... 

بندر البرقوني 31/01/2010
موضوع في محله بالفعل نحتاج جميعا مثل هذه الثقافات ولكن ياريت توصل مثل هذه المواضيع الي اصحاب الشركات والمؤسسات والكفلاء والمدراء .....الخ لانهم بالفعل لايوجد لديهم ضمير ولا ............... فلنتذكر ارحموا من في الارض يرحمكم من في السماء اللهم اغفر لنا اللهم اغفر خطائنا اللهم اغفر لمن ظلمنا اللهم اغفر لمن اغتبنا اللهم اغفر لمن لظالم والمظلوم اللهم تب علينا أجمعين

غريب الدار 01/02/2010
جزيت خيرا يا شيخنا .. الغربة أليمة .. والغرباء يأنون ويشتاقون ويحنون للأحبة .. فصبرهم الله

بت أشكو إلى مولاي ما أجد !! 19/09/2010
**من فرط شوقي وحنيــــني** فوالله غربتي طالت عن أهلي خلي وأعز أحبابي , لمن أهديته قلبي وشرّعت له أبوابي , فبت إلي مولاي أشكو و بكلامه أسلو ((وهو على جمعهم إذا يشاء قدير))

أنا 29/10/2010
** فرحمة بالغرباء فإن بهم من الحنين ما تنفطر له الأفئدة وتتفتت له الأكباد . ** رحماك ربي .

العاب رسائل حب