مالم أستطع أن أستوعبه إلى الان ولا أظن أن ذهني سيستوعبه ما حييت التفرقة التي يفرضها البعض على البعض ، والتهمة التي يلصقونها على من لا ذنب له ويحاكمونه عليها .
شيئ غريب .. وجاهلية أغرب!!
إذا كنا نعلم جميعا أن مردّ البشر إلى أب واحد ، في حقيقة يتفق عليها الكل : مسلمون وكفار، عرب وعجم ، صغار وكبار .. إذا كان ذلك كذلك فلماذا يعتقد البعض أنهم من نسل غير النسل ، لماذا يشعرون بالتميز والعلِّية ، والرفعة والفوقية ؟
هل نزل من السماءرجل آخر مع آدم فانقسم الخلق إلى : آدميين من نسل آدم ، وخدم من نسل الآخر الذي نزل سخرة لآدم ولبنيه ؟!
الأبيض يسخر من الأسود ويحتقره ، والقبيلي ينظر إلى الحضري بالدونية المقيتة .. وهكذا في سلسلة من الجاهلية الجهلاء التي لا تستحق إلا هذا الوصف (إنك امرؤ فيك جاهليية) .
ما أفهمه جيدا أن البياض والسواد ، والحسب وضده ، والعروبة والعجمة ، أمور تجري علينا لا منّا .. لا تسعفني ذاكرتي أبدا أنني حين كنت نطفة أو علقة أو مضغة أو حتى حين كنت جنيناً مكتملاً لا أتذكر أن قائمة من الاختيارات قدّمت لي حتى أتخير الألوان والأحساب والبلدان والقوميات والأعراق !!
حكمة بالغة هى التي جعلت بلالاً حبشياً وأبا لهب قرشياً وبينهما كما بين السماء والأرض ، فلا قرشية هذا نفعته ولا سواد ذاك ضره
خذلت أبا جهلٍ أصالتُه 00وبلال عبدٌ جاوز السُحبا
(من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه )
ما أفهمه جيدا أن التحاكم إلى ما يصدر من الإنسان ، إلى ما يجري منه ، لا إلى ما يجري عليه ، إذ له اختيار فيما يجري منه ، ولا اختيار له فيما يجري عليه إذ هو قدر وحق القدر التسليم .
الجاهلون الذي يسخرون من الناس لهذه الاعتبارات من يحاكمون ؟ الفاعل ( الخالق، المقدِّر ) أم يحاكمون المخلوق الذي جرى عليه القدر ؟
جاهليه لا تدعها الأمة ..بل تجري حتى في الأمم الأخرى .. ها هو ذا الأمريكي الأبيض يستنكف من مواطنه الأسود ، وهاهو الأوروبي يحتقر مواطنه الملون وهكذا دواليك ..
اليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار ، والكرد لا يزوجون غيرهم ، والأتراك لا يرون العرب شيئا ، (إلا من رحم الله من طوائف المسلمين )
الحق أنني أجد لهؤلاء الكفار عذراً ، كون فطرهم لا تزال مغلفة بغلاف الكفر (ما أقبحه من غلاف) ولكن ما العذر الذي سألتمسه لأهل الإيمان ؟
أقبح القبائح وأكبر والكبائر حين يقع هذا المنكر من أهل الديانة والصيانة ، من طلبة العلم وحماة العقيدة ، ولذا لما وقع من صاحبٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الكبار بادر صلى الله عليه وسلم لتشخيص الداء (إنك امرؤ فيك جاهليه ) وعرف الصاحب رضي الله عنه الداء والدواء ، فأهوى برأسه الذي ترفّع وتكبر في لحظة من الدهر ، أهوى به إلى الأرض ليطأه بقدمه ابن السوداء ، وهنا حصل الغسيل بل ( التلميع الساطع ) لبقايا الجاهليه .. وعاد الصاحبان خلوا من الجاهلية تحت راية واحدة هى المتفق عليها قبلا وبعد :
إن أكرمكم عند الله أتقاكم .